اعرف نفسك .. نظرات تأملية في ألإبعاد الإنسانية .. النظرة الأولى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

اعرف نفسك .. نظرات تأملية في ألإبعاد الإنسانية .. النظرة الأولى

مُساهمة  سعيد سليمان في الثلاثاء أكتوبر 05, 2010 2:20 pm

*


اعرف نفسك
الإنسان بين الطبيعة وما وراء الطبيعة
دعوة للتأمل

نظرات تأملية في الأبعاد التي يتكون منها الإنسان

النظرة الأولى

للإنسان مادة، وجسد به نفس تحفظ حياة الجسد، وعقل عاقل، وروح؛ هي من نفخ الله في الإنسان، وذات هي هويته الكاملة. ولذلك نقول أن الإنسان يتكون من خمسة أبعاد. ويتحدد قدر الإنسان ومكانته تبعا للدرجات التي يتحقق بها وجوده في تلك الأبعاد.

فالأبعاد إجمالا هي:
1. المادة
2. الجسد/ النفس
3. العقل
4. الروح
5. الذات

ويمكن اعتبار هذه الأبعاد مراحل ودرجات من مراحل وجود الإنسان، أي أنها أطوار يمر بها الإنسان. وفي نفس الوقت، فإن كل بعد من تلك الأبعاد يكَوِّن بذاته حالة من حالات الوجود تشمل ما سبقها من الأبعاد حسب الترتيب المثبت في هذه القائمة خماسية الأبعاد أعلاه. إضافة إلى ذلك، فلكل مرحلة درجات في داخلها تتحدد من خلالها الدرجة التي عليها الكائن الموجود.

فلنتأمل الآن تلك الأبعاد أو الأطوار أو المراحل الخمسة - بشيء من التفصيل- ونرى بأنفسنا كيف تكون.


أولا: المادة
فالبعد المادي يمثل الوجود المادي في الكون. وهو بعد رئيسي يوجد بالضرورة في كل موجود ذي مظهر مادي. هو بعد أساسي في الماء والهواء والتراب وحتى النار (فالنار ما هي إلا مادة في حالة احتراق، تتحول المادة من مظهرها الطبيعي إلى المواد الأصلية المكونة لها). والمادة تكون في حالة أحادية بمعنى أنها تكون من عنصر مكون واحد، أو تكون مركبة من عناصر مختلفة تجتمع مع بعضها اتباعا لمنظومة تكوينية محددة. وكل موجود محسوس فهو مادة، أو مكون من المادة. ينطبق ذلك على الغازات والمواد السائلة والمواد الصلبة، كما ينطبق عل أبسط الكائنات الحية ابتداء من الكائنات أحادية الخلية وانتهاء بالإنسان. كلها تدخل المادة مكونة بعدا أساسيا في تكوينها الوجودي.

ثانيا: الجسد/ النفس:
أما البعد الجسدي فهو كل ما كان حيا له جسد حي. الكائنات الحية كلها من أبسطها تكوينا إلى أشدها تعقيدا تعتبر أجسادا. وهذه الأجساد لها نفس تحفظ لها حياتها، فإذا لنتهى وجود النفس أي ماتت يعود الكائن الحي فيتحلل إلى مركباته الأصلية التي كان قد تركب منها. ولهذه النفس عقل غريزي مرتبط وجوده بوجودها، فإذا ماتت مات معها. ووظيفة هذا العقل الغريزي هو أنه يقوم باستجابات أو ردود أفعال تحقق الحاجات الغريزية للكائن الحي. فوظيفة هذا العقل الغريزي هي إشباع الغرائز التي تحتاج إلى إشباع في الكائن الحي. والحقيقة أننا نسميه باسم العقل من باب المجاز لا من باب الحقيقة؛ فهو- في حقيقته- لا يعقل شيئا.

وأعلى مرتية في هذا النوع من الوجود هو الحيوان. وتظهر فيه هذه الحاجات الغريزية بشكل واضح كما يظهر النزوع إلى تحقيقها واضحا في سلوكه أيضا. وأهم ما يعني هذا العقل هو الوصول إلى درجة الإشباع الغريزي، وهو صفة حيوانية صرفة. ومن مراحل الوجود البشري في هذا البعد هو وجود الطفل الصغير، فالطفل البشري يظل في هذه المرحلة الغريزية- جبرا- حتى يكتمل نموه الجسدي، وإن تخلل تلك المرحلة ظهور العقل الروحاني إلا أنه لا يكون قد اكتمل واكتملت له القدرة على السيطرة على الغرائز الجسدية النفسية. ومرحلة التخلل هذه، ما هي إلا مرحلة وسيطة بين الإنسان والحيوان كمظهرين من مظاهر الوجود. فالنفس بعقلها الفطري الغريزي هي التي تحفظ حياة الجسد وتنظمها تبعا لما هو مطالب فطرية لهذا الجسد. وموت النفس يؤدي حتما إلى توقف الجسد عن الجياة فيتحلل إلى المواد التي كان قد تركب منها.

ثالثا: العقل:

البعد العقلي هو ذلك البعد الذي يعقل النفس وينظم سلوكها فيمنعها عن أداء أفعال ويوجهها إلى أداء أفعال بديلة سواء كانت تلك الأفعال أفعالا موجبة أو أفعالا سالبة. وهذا النوع من العقل لا يوجد فيما سبق من المصنفات الوجودية، بل الإنسان هو المخلوق القابل لهذا العقل، والجن مشترك معه في هذه القابلية. والإنس والجن مكلفان كما نعلم، والعقل مناط التكليف. وحديثنا هنا هو حديث عن الإنس لا الجن.

والعقل عقال. والعقال حبل تعقل به البعير حتى تمنعه من النهوض والحركة. والعقل في الإنسان هو تلك القدرة العاقلة التي يسطر بها الإنسان على النفس فيعقلها عن النهوض إلى شهواتها وغرائزها ويمنعها من الحركة تجاه تلك الشهوات وتلك الغرائز. فالإنسان وما دونه من الحيوان يشتركان في كثير من الغرائز والشهوات، (غير الإن شهوات الإنسان أوسع مجالا وأكثر تنوعا من الغرائز الحيوانية). ولهذه الشهوات والغرائز عقل غريزي مصاحب لها، يتحرك بالكائن نحو إشباع تلك الغرائز والشهوات. ولا يمكن أن يتحكم في ذلك العقل الغريزي سوى العقل الإنساني.

والعقل الإنساني هبة خاصة من الله للإنسان. حباه الله به ليختار، وعلمه الدستور الإلهي الذي يكون مصدرا للأوامر والنواهي الإلهية التي يستند عليها هذا العقل البشري في تعامله مع العقل الغريزي.


ويتميز هذا العقل على العقل الغريزي النفسي بأنه عقل روحاني، أي أنه عقل يستجيب لمطالب الروح لا لمطالب الجسد، بل يقهر العقل الجسدي ويسيطر على غرائزه فيجعله تابعا لمطالبات العقل الروحاني بدلا من تبعيته للعقل الجسدي النفسي الغريزي.

فإذا لم يستجب الإنسان لعقله، فإنما يكون قد تدنى من مرحلة الإنسان إلى مرحلة الحيوان، ولا فرق حينذاك بينهما على الإطلاق، بل يكون الإنسان أضل سبيلا من الحيوان. وإذا تدنى فصار ماديا يكون قد أصبح مما هو كالأموات أو كأنه مجرد مادة كالمادة التي لم تصبها الحياة.



رابعا: الروح
البعد الروحي هو البعد السماوي المحض في الكائن الحي. والإنسان هو الوحيد الذي نفخ الله فيه هذه الروح. أي أن الروح مصدرها المباشر هو السماء لا الأرض.. فهي رابطة سماوية متعلقة بالإنسان الذي تجاوز المرحلة الحيوانية مسيطرا على النفس والغرائز الجسدية متساميا بها نحو الروح ومتطلباتها العلوية. إن الترقي البشري إلى هذه المرحلة يحتاج إلى الدخول في صراعات عنيفة مع النفس ومطالبها، ويظل الصراع قائما طالما وجدت النفس في الجسد، حتى تموت النفس فيموت الجسد. وهذه أول مرحلة يتجاوز فيها الإنسان من مرحلة العقل إلى مرحلة ما وراء العقل. فالروح لا يمكن أن يعقلها العقل أو يسيطر عليها، بل أمرها يتعلق بيد من نفخها. وهي مرحلة ذات علاقة وثيقة بالغيبيات والإيمان بها. ونهاية هذه المرحلة يمكن أن نسميها مجازا: العقل الروحاني الخالص.

خامسا: الذات
أما البعد الذاتي فهو الطرف الآخر المقابل للبعد المادي، وهو أعلى الأبعاد جميعا من حيث التجريد، فهو مجرد محض. لا يمكن بلوغه إلا مرورا بالروح، فإذا كانت الروح نفخا، فالذات تجريد كامل وهي معرفة عصية يعجز كل تعبير مادي عن التعبير بها، الكلام يشير إليها ولا يستطيع أن يعبر عنها أو حتى يصفها كما هي. . ولا يصل إليه إلا قليل جدا من المجاهدين من بني الإنسان، أولئك الذين يجاهدون النفس حتى يتمكنوا- استجابة لمطالب الروح- من القضاء على رغباتها ونزواتها بشكل تام؛ فيبدأ الإنسان آنذاك في التعرف على ذاته، ومن أعانه الله على معرفة ذاته فإنه يكون من السهل عليه أن يعرف ربه معرفة يقينية لا لبس فيها ولا اختلاط. والحديث في هذه المرحلة؛ مرحلة الذات ليس من الأحاديث التي يمكن أن يدرك فحواها سوى من بلغ تلك المرحلة، ومن بلغها فهو غني عن أن يخبره أحد عنها شيئا، ولذلك فهو حديث مغلق؛ فكله من علم ما بعد العقل أو ما وراء الطبيعة.

لم يبق إلا أن يتعرف كل منا على مقام وجوده من هذه الأطوار الخمسة، وأن يجاهد نفسه من أجل الترقي فيتحقق له المزيد من القرب من الله. وفقنا الله جميعا إلى ما يحب ويرضى منا، وأن يتفضل علينا بالعون والتأييد وأن يثبتنا بالقول الصالح. آمين

وإلى لقاء جديد مع النظرة الثانية. سعيد سليمان.


*


avatar
سعيد سليمان
Admin

عدد المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 28/05/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى