القصّة القصيرة جدّا.. فرادة البناء وسخاء الدلالة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

القصّة القصيرة جدّا.. فرادة البناء وسخاء الدلالة

مُساهمة  سعيد سليمان في السبت مايو 29, 2010 7:48 pm













القصّة القصيرة جدّا.. فرادة البناء وسخاء الدلالة

منقول للأهمية

أمال بن محمد



القصة القصيرة جدا هذا الجنس الأدبي الذي أصبح ينال الاهتمام والعناية من جمهور القراء، نظرا لأن هذه القصة القصيرة جدا استطاعت أن تواكب المتغيرات في فكر وروح الانسان المعاصر وفي حياته السريعة بكل تفاصيلها ومراحلها انها تعبر عن هموم الانسان وقضاياه التي قد تختفي عن بقية الناس وعنه، وتصور التحولات الكبرى التي يعيشها انسان هذا القرن العجيب، في فضاء المدينة العربية المتحولة فبقصرها تقتنص اللحظات المنفلتة في حياة الناس من جانب، وتقدمها في شكل ومضة غنية بالدلالة واللغة والترميز من جانب ثانوي فتشد القارئ اليها، وتشجعه على قراءتها.

وانها بحنكة القاص وامتلاكه الاداة والموهبة استطاعت ان تغوص في اعماق الانسان وتلازمه واصفة اياه متحدثة عنه بعمق الفكرة ودقة الاستعارة، وبخرق المتوقع ونقد الواقع بأسلوب السخرية وسرعة الجمل الفعلية وتعاقبها واسترسالها اي ما يسمى التكثيف.

فيلتمس القارئ نبض الحياة داخل منظومة السرد بخزينة معبأة بفائض المعاني ورقيق التعبير، وساحر الالفاظ، وسحرها في قصرها وتعاقبها واسترسالها، تنساب كالنهر الرقراق، تؤنس وتمتع وتفرح وتترك مساحة كبرى يرقص فيها خيال القارئ رغم قصر الجمل، ولا يستطيع ان يقطع الخيط الرابط بين احداث الواحدة من هذه القصص القصيرة جدا، يتخذ هذه الخصائص الكاتب صلاح بوزيان في قصته «حلم» (لو كنت اعمل منذ سنين لبنيت بيتنا المتداعي للسقوط ولأنجبت طفلا واحدا ولمتعت الخباز والسماك والجزار والطحان بنقودي) تشكل هذه الجمل قصة هذا الانسان الذي لم يتحقق وجوده ; وبحجم وعمق الفكرة وبلاغة اللغة، فالقارئ اليوم لم تترك له الحياة بتشابك وغرابة مشاغلها الوقت الكافي كي يقرأ الاجناس الادبية التي تعبر عنه وتتحدث عن بواطنه واحلامه، وانه بصعوبة يفعل ذلك، لاسباب شتى، ولذلك اصبحت القصة القصيرة جدا الشكل التعبيري الاقرب للقارئ لانها تقبض اللحظات الفارة في حياة هذا القارئ، وتتحدث عن الاحداث التي تخص انسانيته ومعالم هذه الانسانية وذلك ببلاغة اللغة وتقنيات السرد، فالاحلام قد تغيرت وتبدلت بل انها تتبدل بسرعة فائقة لاتترك المجال لهذا الانسان كي يطرح سؤالا او يفكر بعمق اكثر في غالب الوقت.

ولكن هل يمكننا ان نضبط هذا الجنس الادبي بمقاييس البناء؟ اذا تأكدنا انها تتخذ من الايحاء والترميز، لتوحي دون ان تقول وتشد القارئ وتفتح له نوافذ عدة للقول والتساؤل والحوار؟ وما هي خصوصيات بناء القصة القصيرة جدا؟
ان القصة القصيرة جدا تجعل من الابداع القصصي كونا يحمل صفة التجدد والروعة، وتحتفي بالانسان بمشاغله وقضاياه اذ تخترق حواجزه، ولكنها تميزت بجملة من خصائص البناء، مما يميزها عن القصة والقصة القصيرة فكيف ذلك؟
سمة القصة القصيرة جدا القصر والايجاز، فالجمل قصيرة وايحائية مع حضور عنصر الدهشة والترميز والاستعارة والسخرية.

فالسخرية سلاح الكاتب الذي يساعده في الاقتراب من الناس وتصوير بواطنهم واحاسيسهم، وملاطفة السر، ومساعدتهم على الخلاص من الصمت بقراءة واقعهم مصورا بكل ما فيه من معاناة وظلم وجهل ومآس وافراح في حال البين وفي حال القرب فالقاص يصور ويعبر ويعري وينقد ويدفع بالذات الى فضاء النقاء، وقد برع في هذا الكاتب صلاح بوزيان الذي نحى هذا المنحى واعتنى بكتاباته ، مما يدعو الى دراسة نصوصه والعناية بها فهو يقول في قصة «نجمة» (وحينما ادركه البلل، القميص والحذاء والجوارب وعلبة السجائر وعلبة الكبريت، والسروال قد من دبر، والفكرة العرجاء تطهر من الجنابة اهتزت الشباك واهتزت الذكريات) فهنا السخرية ذات صبغة دلالية حدثية كامنة في صلب النظام التطوري للنص بحيث يكون على القارئ استكشافها وادراك مواطن انبثاقها وتشكلها(1) انها صورة مختلفة برؤية المبدع المحترف ذلك ان (المبدع الحقيقي هو الذي يلم بقواعد الفن من اجل ان لايتجاوزها لا من اجل ان يتقيد بها تقيدا صارما)(2) سخرية من الحلم الكاذب لصياد عشق نجمة سابحة في السماء واراد معانقتها انها محاولة الانعتاق من تعب الواقع المعيش، ومغامرة لاجتياز الحدود، سخرية من هذا الاختيار ولكن المألوف يكون سببا حقيقيا للتطهر وللحرية الطهارة من جنابة الحلم، عودة للواقعي الحقيقي، وفرة الصيد ورحيل الفقر، و (ان السخرية هنا هي بناء دلالي خضع للقلب واستراتيجية تقويمية تفترض موقفا للمؤلف الذي يقوم بعقد اتجاه النص نفسه، وهو موقف يمكن القارئ من ان يغدو مفككا للسنن فيتمكن بذلك من تأويل النص وتقويمه وهو بصدد قراءته)3 كما نجد السخرية الحكائية، (وهي تتبدى من خلال استحواذ السارد على كلام الشخصية وتكراره على طول النص مشكلا بذلك ما يمكن تسميته ايقاعا ساخرا)4 مثلا في قصة ق ج «الخبز الحائر» للكاتب صلاح بوزيان (هل اقبل عرض رفيق العمر؟ هل اقبل عربة الخبز؟ هل اجر عربة وسط المدينة؟ هل ابيع الخبز امام باب تونس؟ ام ابيع الخبز امام باب الجلادين؟ سيراني اصدقائي، تبا لهم هل التفت الى جوعنا احد منهم، انا وامي نأكل الذرة والطحين والشعير بقليل من بقايا البصل والطماطم المبعثرة على الرصيف في السوق، بعد انصراف الباعة عند العصر)، فتواتر صيغة السرد بهذا النموذج يوسع دائرة السخرية التي تكسر تتالي الاحداث وانسجامها والسخرية الادبية عادة لاتعرف مخرجا او حلا للصراع والتوتر اكان في باطن شخصية واحدة او بين شخصيات عديدة فالمتفق عليه في السرد تحقيق التواصل بين فرد وذاته او بين افراد في ما بينهم، الا ان السخرية في القصة القصيرة جدا تنبني على المفارقات وشساعة المسافة بين الرغائب والواقع المهيمن سواء انتج ذلك مآساة او فرحة.

ومن سمات القصة القصيرة جدا التكثيف، فالتكثيف، يبرز في عمق الفكرة وثراء اللغة، فالكلمات في الجمل قصيرة ولكنها غنية بالمعاني تنبض بالحياة، وتمنح القارئ رحلة في متون الكلمة المقتضبة التي توžالا عبر الحلم والتمني، فالاسترسال في الجمل، وتعدد وجهات امنية البطل، تجعل القارئ يقف امام قضية من قضايا انسان في العصر الحديث، ويستشف عمق المأساة، ولايستطيع التوقف عن القراءة مأساة المثقف الذي يمتلك كوما من الشهائد الجامعية وعاجز عن تحقيق امانيه ولكن هل يمكننا الحديث عن الغموض في هذا الجنس الادبي؟ نجد الغموض في قصص قصيرة جدا نطالعها لكتاب من المشرق العربي، بقصد تجنب السرد التقريري الا ان الغموض ليس هو الترميز المفيد الذي يمنح العبارة امكانيات جديدة للمعنى تنتظر القارئ ليكتشفها ويتعلق بها بغاية الفهم وتعرية الهدف المقصود.

فالغموض يسيء الى القصة القصيرة جدا ويحملها ما لاتحتمل لانها بناء سردي قصير في هيكله طويل كبير في معانيه، محمل بالمعاني ويتغذى من مرجعيات متعددة ثقافية وفكرية وانسانية تامة، فالابهام والتلغيز لايخدم القصة القصيرة جدا اذ نجد في كتابات ناشئة نقرأها في الصحف والمجلات العربية سمة الغموض المذكور من ذلك نص «فرار» لعبد الحفيظ الشمري (السعودية) (اذ تبالغ في وصف حاجتنا الى جنحه المعتم كي نرتب خدرنا الذي نعده هنا على نحو مسبغة السؤال عن نوم هانئ) فالقصة تصبح لغزا يقف امامه القارئ حائرا اما لحله او عند العجز عن حله وفهم مضمونه، وهنا القصة القصيرة جدا تترفع عن هذه الصفة التي يريد بعض المجربين الصاقها بها فمثل هذه المحاولات تخرج بعيدة عن السرد القصصي وعن الشعر، لتطلب من اصحابها مزيد الدربة والاطلاع على كتابات راسخة لكتاب محترفين، يتقنون صنعة الحكي في الشكل والمضمون، والغموض منكر في الشعر وتناولته دراسات معمقة، فكيف بالقصة القصيرة جدا.

وللقصة القصيرة جدا مكون مهم العجائبي فهو في السرد لينعتق به القاص من ضجر الواقع واضطراباته ويدخل جهات ومتونا مختلفة قد تكون ممنوعة بحكم العادة والمألوف او مهملة او مجهولة او مستهدفة من قبل القاص لتشريك القارئ بجوهر كيانه في الاحداث الداخلية، فيتشكل السرد في قصتنا القصيرة جدا بوجوه متعددة تمزج بين ثراء اللغة وعمق المفردات وتبصر الرؤيا وشفافية الحاجة ونجد العجائبي في قصتنا القصيرة جدا ينبني على روابط (الأنا) و (الهو)5، يتحدث المكبوت والمسكوت عنه في علاقة الجنسين، بهذا يتجلى العجائبي في القصة القصيرة جدا.

ولكن هل تأثرت القصة القصيرة جدا بالرواية الجديدة؟

نجحت الكتابة التجريبية في الثورة على القوالب الكلاسيكية، وتجاوزها بل وتكسيرها ويتجلى ذلك في بناء القصة القصيرة جدا كما ذكرنا، اذ جربت تقنيات سردية جديدة نجدها في الرواية الجديدة، التي تعتبر السرد عملا منفتحا على اجناس ادبية مختلفة يخرج بانفتاحه هذا من قوالبه الكلاسيكية الثابتة فالقصة القصيرة جدا تأثرت بطرق كتابة الرواية الجديدة لأن (الرواية اكثر قدرة على التأقلم مع الجديد لانها في شكلها المعاصر قد ولدت من كم هذا الجديد)6 وانها نجحت في توظيف هذه الاساليب والتقنيات لانطاق الصامت وتعرية المخفي والاصغاء للمسكوت عنه، والرحلة في الذات والشخوص المتعددة بالبوح او الفضفضة او الكشف او الاشارة اليه، يأتي كل ذلك بأسلوب يجعل القارئ امام واقعه الفردي الذي احيانا يفر منه، وامام واقع المجموعة التي ترتبط ببعضها في اعماق الروابط وفي المتعارف والموروث والمشيد بالمجتمع الانساني والعمار البشري.

ومن اساليب القصة القصيرة الجديدة اضافة الى ما ذكرت التثغير والذي يبرز في الفراغ، اما باستعمال اداة الوصل وعدم ذكر الاسم الموصول «ال.... في....»وكذلك البياض كأن يذكر القاص عنوانا معرفا بدون نص قصصي يثبت البناء.
واين حظ الاستعارة في القصة القصيرة جدا؟
تحضر الاستعارة في القصة القصيرة جدا باستخدام الفاظ في غير ما وضعت له لعلاقة المشابهة بين المعنى المنقول عنه، والمعنى المستعمل فيه. مع قرينة صارفة عن استعمال المعنى الاصلي وبهذا المعنى توظف الاستعارة في تعدد الصور الايحائية، بجمالية الصورة ورقة التعابير وعمق المعاني وشعريتها، فتكشف مفارقات الحياة وخفاياها وتتحدث عن عالم الانسان في كل محطات حياته ومواقفه ومشاغله واحزانه واحلامه وافراحه ومآسيه، علاقة الانسان بنفسه وبالوجود وبالعالم وبالآخرين وبذلك فالاستعارة (جنس سري مغلق ذو لغة لولوبية تجعل من القصة الاخ الشقيق للشعر)7
وبذلك اصبحت القصة القصيرة جدا جنسا سرديا منفتحا على القراءات والتأويلات بسبب تجددها المتواصل في البناء والدلالة، تجدد الحياة والانسان، وتجدد التجريب في الكتابة القصصية والروائية.
وعن النقد، هل ناقد القصة القصيرة جدا يستطيع القيام بمهمته النقدية امام تلونها؟ أم انه عليه ان يعمق دراسته ويثري كمه النقدي ويطور ادواته ومناهجه لينجح في ذلك؟
هوامش

1ـ لتنظر كتاب النص والجسد والتأويل لفريد الزهي ص 1969
2 ـ القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق ليوسف الحطيني، الاوائل سوريا ط1 2004 ص 27
3 ـ نفسه لفريد الزاهي ص 171
4 ـ نفسه لفريد الزاهي ص 169
5 ـ لتنظر (مدخل الى الادب العجائبي) لجني
6 ـ صلاح الدين بوجاه وكسر عمود السرد، كتاب لصلاح الدين بوجاه ص / 25 طبع الشركة التونسية للنشر وفنون الرسم
7 ـ لتنظر قاف / صاد : بعض آراء خوليو كارتازار في القصة، سعيد بنعيد الواحد ص 34 العدد 2/2005
http://www.alhorria.info.tn/?ID=518&...&article=37067


avatar
سعيد سليمان
Admin

عدد المساهمات : 28
تاريخ التسجيل : 28/05/2010

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى